30 watching nowالرئيسية / شعر وادب / د.عطاف الخوالدة تكتب حكايةُ أُمم

د.عطاف الخوالدة تكتب حكايةُ أُمم

07-05-2026 11:24 ص  وكالة انباء الشرق العربي 225 views
د.عطاف الخوالدة تكتب حكايةُ أُمم

و.ش.ع         عمان ۔ د.عطاف الخوالدة  

الخميس 07مايو  2026

"حين تُعلِّمنا الطبيعةُ من نكون؟"
الناشر: دار نشر تحيا مصر للإبداع للنشر الرقمي والإلكتروني – رقم الاعتماد (79)
الكاتبة: الشاعرة د. عطاف الخوالدة
أستاذة اللغة العربية ودراسات في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
قرأتُ «رحلةً إلى الطبيعة» للدكتور سمير شراويد، فإذا بي أقف أمام مرآةٍ كونيةٍ صقيلة، لا تُحسّن الملامح ولا تُجمّلها، بل تكشفها على حقيقتها، وتخلع عن المعاني أقنعتها واحدًا تلو الآخر. هناك، حيث يتكلم الصمت بلغةٍ أفصح من كل خطاب، تنبثق الحقيقة بلا استئذان، ويغدو التأمل ميزانًا تُوزن به الأرواح قبل الأقوال: كيف تُبنى الأمم؟ وبأيّ سرٍّ تستقيم القيم وتنهض الحضارات؟
— — — — — —
بعضُ الكائنات لا ترفع صوتها… لكنها تقول في صمتها ما تعجز عنه أفصحُ الألسن
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
دخلتُ مملكةَ النمل، فإذا أمامي نظامٌ يُشبه السنن الكونية في انتظامها؛ لا يعلو فيه صوتٌ على صوت العمل، ولا يزاحم فيه ادّعاءٌ حقيقة الإنجاز. جماعةٌ تتقاسم الأعباء كأنها جسدٌ واحد، تسري فيه الروح ذاتها، حتى يغدو العدل بينهم طبيعةً لا تكلّفًا، ويغدو البناء فعل يقينٍ لا يداخله ارتياب.
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
ثم مضيتُ إلى مملكة النحل، فإذا التآلف فيها شريعة، والعطاء فيها لغة، والعمل فيها عبادة صامتة. لا صراع يُرى، لأن الوفاق يسكن الأرواح، ولا ضجيج يُسمع، لأن الانسجام يتكلم بلسانٍ أعمق من الصوت. هناك تُنسج الحياة برحيقٍ لا يُرى، ويُتلى النظام في كل خليةٍ كأنه تسبيحٌ دائم.
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
في النملِ نظامٌ يغني عن كل خطابة،
وفي النحلِ عطاءٌ يعلو على كل ادّعاء
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
غير أنّ الصورة لا تكتمل إلا بنقيضها؛ فعند تخومٍ أخرى من الوجود، تتبدّى فوضى الإنسان حين يتيه عن وجهته: حركةٌ بلا بوصلة، وصخبٌ بلا غاية، وخوفٌ يشرّع لنفسه قوانين النجاة الزائفة. يدور الإنسان حتى يبلغه التعب، لا ليصل، بل ليُعاد إنتاج ضياعه. ويغدو التيه نظامًا يُدار به يومه، ويُبرَّر به عجزه.
وحين لا يبقى لنا إلا الحرف… ندرك كم كنّا غرباء عن حقيقتنا
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
ثم دخلتُ الغابة، فإذا بالقوة قانونٌ مجردٌ من الزينة، والأنياب لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمان. ومع شدتها، إلا أنها صادقة لا تُجامل، عارية لا تتستر، تُعلن حقيقتها كما هي، فلا شعار يُخفي، ولا قناع يُضلل، ولا وهمٌ يُجمّل وجه الحقيقة.
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
وفي الصحراء تنكشف حكمةٌ أعمق، وصمتٌ أكثر بلاغة؛
فالطيور تشقّ الفيافي ببوصلةٍ مغروسةٍ في فطرتها، لا تضلّ وإن تشابهت الجهات، كأن الهداية قد نُقشت في أجنحتها نقشًا لا يُمحى.
والجِمال تمضي فوق جمر الرمال بصبرٍ مهيب، تختزن القوة في هدوئها، وتقتصد في زادها وعطشها، فلا إسراف في وجودها، ولا ضعف في مسيرها.
وهناك لا تُترك الكائنات لاختيارٍ فوضوي، بل تُمنح حكمة البقاء: لكلٍّ موضعه الذي يُتقن فيه العيش، ولكلٍّ سرّه بين القلّة والكفاية، بين الصبر والتوازن.
كأن الصحراء تُلقّن الإنسان درسًا لا يُنسى: ليس البقاء للأعلى صوتًا، بل للأرسخ فهمًا، والأقوم اتزانًا
في الصحراءِ درسٌ لا يُكتب… القلّة حياة، والإسراف فناء
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
وفي ختام الرحلة يتبدّى لي أن الطبيعة لا تُعرّفنا بما حولنا فقط، بل تكشفنا لأنفسنا على نحوٍ أعمق: نرى النظام في النمل، ونلمس العطاء في النحل، ثم نرتبك حين نفقد بوصلتنا في عالم الإنسان. ويبقى السؤال معلقًا على جبين الوعي: لِمَ نعرف الحقيقة… ثم نعجز عن أن نكونها؟
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
ولما مرّ طيفُ الذئب في خاطري، انفتح باب الوفاء من قلب البراري:
أيها الذئب، يا ناصع السيرة بين الوحوش،
تثبت حيث يفرّ الجبان، وتفي حيث يخون الضعف.
لا تخون دمك، ولا تنكر نسبك،
وتحرس جماعتك إذا دنا الخطر أو اشتدّ البلاء.
تُداوي الجرح بصمت، وتعلّمنا أن الفعل أبلغ من كل خطاب،
وأن الوفاء ليس قولًا يُقال، بل سلوكٌ يُرى ويُحتذى.
ليت الإنسان حين ينظر إليك، يرى نفسه كما ينبغي أن تكون.
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
وعلى ضفةٍ من الوجدان، يقف إنسانٌ يحدّق في الأفق، كأن البحر يقرأ ما لم يُقل:
تُطِلُّ على البحرِ… والعينُ غارقةٌ
بسرٍّ كأنّ المدى في الغيم قد انكسرْ
وتُخبِّئُ في كفِّها بعضَ أمنيةٍ
وتفلتُها للمدى… فهل يعودُ الأثرْ؟
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
وهنا يتسع السؤال حتى يغدو وجعًا للأمة كلها، ويبلغ الصمت مداه حين يعجز التعبير ويضيق المعنى، فلا يبقى إلا الحرف شاهدًا على الجراح:
بكت حجارةُ الحيّ — لا دمعًا يُرى —
لكنّ في صمتها نارًا تُفجّر المظهر
وغزةُ في العيون قصيدةٌ لا تنتهي،
يكتبها الألم… ويُرتّلها الصبر
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
هكذا تُكمل الطبيعة رسالتها دون صوت: أن الحقيقة لا تحتاج صخبًا، وأن القيم لا تُستعار بل تُعاش، وأن الإنسان إذا فقد اتزانه، صار أبعد عن فطرته من أي كائنٍ آخر.
ويبقى الرجاء الأخير: أن نتعلّم… قبل أن نصبح مجرد حكاية تُروى
ليس البقاء للأعلى صوتًا… بل للأعمق فهمًا
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
— — — — — — — — — — — — — — — — — — — —
د. عطاف الخوالدة
أستاذة اللغة العربية وعلوم القرآن الكريم
الأردن
وتقبلوا الاحترام والتقدير

 


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *