
و.ش.ع العراق ۔ دكتور صالح العطوان الحيالي
الخميس 14 مايو 2026
عندما كنا امة قوية “المضاءق البحرية التي كانت تحت السيطرة الإسلامية”
المضائق البحرية بين الهيمنة الإسلامية( الخلافة العثمانية) والصراعات الحديثة
عبر التاريخ، كانت المضائق البحرية والممرات المائية شريان الحياة للإمبراطوريات، وهي اليوم لا تقل أهمية في تحديد ميزان القوى الدولي.
لقد كانت الدولة العثمانية لقرون لاعباً رئيسياً في هذا المجال، إذ بسطت نفوذها على أضيق الممرات وأكثرها حساسية في العالم القديم، من البوسفور والدردنيل إلى البحر الأحمر والخليج العربي.
لكنها واجهت تحديات جيوستراتيجية جعلت سيطرتها ناقصة، ومحدودة بمعادلات القوى البحرية العالمية. وبينما تستحضر الذاكرة التاريخية هذه التجربة، نجد أن المشهد الراهن يعيد إنتاج صراع مشابه بثياب جديدة، حيث تتقاتل القوى العظمى والإقليمية على التحكم في الشرايين البحرية، فيما تتشابه الأدوات وتختلف الأسماء.
الهيمنة الاسلامية (العثمانية) على المضائق: خلافة تطل على ثلاث قارات
امتلكت الدولة العثمانية أطول ساحل في البحر الأبيض المتوسط طوال القرن السادس عشر، وحولت شرقه إلى بحيرة عثمانية داخلية.
كان قلب الإمبراطورية يقع على جانبي مضيق البوسفور والدردنيل، اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط، وهما الممران اللذان جعلا من إسطنبول عاصمة تتحكم في حركة الملاحة بين أوروبا وآسيا. لم يكن هذا مجرد موقع استراتيجي، بل كان أيضاً أساساً للسيطرة على طرق التجارة البرية والبحرية التي تمر عبر الأناضول والبلقان.
مع فتح مصر عام 1517، ورث العثمانيون عن المماليك السيطرة على البحر الأحمر وخليج السويس، مما أتاح لهم الإشراف على طريق التجارة الهندي التقليدي الذي يصل إلى الإسكندرية وطرابلس الشام.
وبعد سنوات قليلة، فرضوا هيمنتهم على البصرة في جنوب العراق، ليحكموا بذلك المدخل الشمالي للخليج العربي. وهكذا، جمع العثمانيون بين أطراف طريق التوابل البحري القديم، فكانوا بذلك الحارس لطرق الحج والتجارة بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط.
لكن السيطرة على هذه الممرات واجهت تحدياً وجودياً مع وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي عبر رأس الرجاء الصالح في مطلع القرن السادس عشر.
فجأة، لم تعد طرق التجارة الشرقية محصورة في الممرات التي يسيطر عليها العثمانيون، بل أصبحت مفتوحة أمام الأساطيل الأوروبية التي طوّقت الجزيرة العربية من الجنوب.
أدركت الخلافة الخطر، فسارعت إلى إنشاء أساطيل دائمة في السويس والبصرة، وشنّت حملات بحرية وصلت إلى سواحل الهند وغرب إندونيسيا، مدفوعة بدافع ديني وسياسي لمواجهة الاحتكار البرتغالي.
هذه المواجهة التي استمرت قرابة قرن من الزمان رسمت معالم صراع طويل على طرق التجارة العالمية، كان العثمانيون فيه طرفاً رئيسياً لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق نصر حاسم بسبب البعد الجغرافي وصعوبة إمداد الأساطيل عبر الصحراء.
أما الثغرة الأكبر في الهيمنة العثمانية فكانت متمثلة في عدم تمكنهم من اقتحام المحيط الأطلسي. فقد كان مضيق جبل طارق تحت السيطرة الإسبانية والبرتغالية، مما حال دون خروج الأساطيل العثمانية إلى العالم الجديد. هذا الإغلاق الغربي جعل الخلافة محصورة في بحر متوسط مغلق، بينما كانت الإمبراطوريات الأوروبية تفتح آفاقاً جديدة عبر المحيطات، مما غيّر ميزان الثروة والقوة لصالح الغرب لقرون قادمة.
الابتكار العثماني كاستجابة استراتيجية
أمام هذا الجمود الجغرافي، أظهرت النخبة العثمانية قدرة على التفكير خارج الصندوق. ففي ستينيات القرن السادس عشر، طرح الصدر الأعظم صقللي محمد باشا مشروعاً طموحاً لربط نهري الدون والفولغا عبر قناة ملاحية. كان الهدف من ذلك السماح للأسطول العثماني بالعبور من البحر الأسود إلى بحر قزوين، ومن ثم الوصول إلى آسيا الوسطى عبر المجاري المائية، لإحياء طريق الحرير البري القديم كبديل استراتيجي عن الطرق البحرية التي سيطر عليها البرتغاليون.
الفكرة كانت عبقرية في جوهرها: تحويل مسار التجارة من المحيط الهندي الذي يسيطر عليه الخصم إلى طريق بري-نهري يقع تحت النفوذ العثماني المباشر.
لكن المشروع فشل بسبب الظروف المناخية القاسية والهجمات الروسية التي حالت دون استكماله، ليظل مثالاً على رؤية استراتيجية سبقت عصرها.
تشبيهات الحاضر: هل يعيد التاريخ نفسه؟
عندما ننظر إلى المشهد الجيوسياسي اليوم، نجد أن المضائق البحرية لا تزال تشكل ساحة صراع محورية، وإن تغيرت الأطراف والتقنيات. فالقرن الحادي والعشرون يشهد سباقاً للهيمنة على الممرات المائية لا يقل حدة عن ذاك الذي خاضه العثمانيون والبرتغاليون قبل خمسمائة عام، مع اختلاف أن المنافسين اليوم أصبحوا أكثر عدداً وأكثر تعقيداً.
مضيق البوسفور والدردنيل لا يزالان تحت السيطرة التركية، لكن تركيا اليوم ليست إمبراطورية عثمانية، بل دولة قومية تتحكم في ممر حيوي لنقل النفط والغاز من روسيا وآسيا الوسطى إلى الأسواق العالمية. وتُظهر معاهدة مونترو (1936) التي تنظم المرور في المضائق كيف أن الوضع القانوني الحديث يمكن أن يكون أكثر تعقيداً من مجرد السيادة المطلقة، حيث باتت الدول الكبرى تراقب كل تحرك تركي في هذا الملف بحساسية فائقة.
أما البحر الأحمر وخليج عدن، فشهدا في السنوات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً يعيد إلى الأذهان الصراع العثماني-البرتغالي. اليوم، تتصارع في هذه المنطقة قوى متعددة: إيران تدعم الحوثيين في اليمن الذين استهدفوا السفن التجارية في مضيق باب المندب؛ والقوات المصرية والسعودية والإماراتية تعمل على تأمين الملاحة؛ فيما تحتفظ الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بوجود عسكري لحماية الممر. هذا التداخل يعيد إنتاج النموذج القديم لصراع متعدد الأطراف على طريق تجاري حيوي، حيث لا توجد سيطرة كاملة لأي طرف واحد، بل حالة من التوازن الهش والتهديد المستمر.
الخليج العربي ومضيق هرمز يمثلان بلا شك أكثر الممرات المائية حساسية في العالم اليوم، حيث تمر عبرهما نحو 20% من النفط العالمي. الصراع هنا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين من جهة أخرى، يشبه من نواحٍ عديدة المواجهة العثمانية-البرتغالية في المحيط الهندي. طهران تستخدم تهديد إغلاق المضيق كورقة ضغط سياسي، كما كان البرتغاليون يستخدمون سيطرتهم على الممرات لتوجيه التجارة لصالحهم. لكن التكنولوجيا الحديثة، من الطائرات المسيّرة إلى الأقمار الصناعية، جعلت الصراع أكثر تعقيداً، فلم تعد السيطرة تعني مجرد وجود أسطول حربي، بل القدرة على مراقبة الممر وتأمينه عن بُعد.ومن أبرز التشابهات بين الماضي والحاضر، محاولات الدول المعاصرة تطوير بدائل استراتيجية للمضائق المزدحمة، تماماً كما حاول العثمانيون شق قناة الفولغا-دون. اليوم، تبرز مشاريع عملاقة مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تسعى إلى إحياء طريق الحرير البري والبحري، وتربط الصين بأوروبا عبر ممرات برية تعبر آسيا الوسطى، متجاوزةً بذلك المخاطر البحرية في مضيق ملقا وباب المندب. كما نشهد مشاريع إقليمية مثل قناة بن غوريون الإسرائيلية التي تخطط لتقديم بديل لقناة السويس، ومشاريع السكك الحديدية عبر شبه الجزيرة العربية التي تهدف إلى تحويل الموانئ الخليجية إلى منافذ برية إلى أوروبا. كل هذه المشاريع هي محاولات لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية التي تزداد مخاطرها الجيوسياسية، تماماً كما كان حلم صقللي محمد باشا لتحويل مسار التجارة نحو آسيا الوسطى.
عبرة التاريخ: أن لا هيمنة مطلقة
ما يمكن استخلاصه من التجربة العثمانية أن السيطرة على المضائق، مهما كانت قوية، لا تعني أبداً هيمنة مطلقة على التجارة العالمية. فالعثمانيون ظلوا محصورين في بحر متوسط مغلق، وعجزوا عن منافسة البرتغاليين في المحيط الهندي رغم تفوقهم البري، لأن طبيعة القوة البحرية تتطلب قواعد متقدمة وقدرة على الالتحام بعيداً عن المركز. اليوم أيضاً، نرى أن قوة الولايات المتحدة البحرية لا تمنعها من التعرض لهجمات غير تقليدية في باب المندب، وأن السيطرة التركية على البوسفور لا تعفيها من الضغوط الدولية لضمان حرية الملاحة.
كما أن المشاريع البديلة الكبرى، رغم ضخامتها، لم تقضِ بعد على أهمية المضائق البحرية. فطريق الحرير الجديد لا يزال يعتمد جزئياً على الموانئ والممرات المائية، وقناة الفولغا-دون التي حلم بها العثمانيون لم تُنجز إلا جزئياً في العصر السوفييتي، لكنها لم تحوّل مسار التجارة العالمي. هذا يعني أن المضائق البحرية ستبقى عقداً جيوسياسية دائمة، ما دامت الجغرافيا الطبيعية هي الإطار الأكثر ثباتاً في العلاقات الدولية.
الهيمنة العثمانية على المضائق التجارية البحرية كانت فصلاً دراماتيكياً في تاريخ الصراع على طرق التجارة العالمية. تمكّنت الإمبراطورية من توحيد الممرات الحيوية في قلب العالم القديم تحت رايتها، لكنها فشلت في تجاوز الإغلاق الأطلسي، واصطدمت بالبرتغاليين في المحيط الهندي في مواجهة أعادت تشكيل ميزان القوى لصالح أوروبا. اليوم، نعيش مشهداً متشابهاً حيث تتصارع القوى الكبرى والصاعدة على المضائق نفسها، مستخدمةً أدوات أكثر تطوراً لكنها تحمل روح المنافسة ذاتها. ربما تكون العبرة الأكبر أن السيطرة على المضائق وحدها لا تصنع إمبراطورية، بل إن القدرة على الإبداع في إيجاد بدائل، والمرونة في التعامل مع تغيرات ميزان القوى، هي ما يحدد بقاء الدول واستمرار نفوذها عبر التاريخ.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *